تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، انطلقت فعاليات مهرجان فاس للثقافة الصوفية وحكم العالم، في دورة تهدف إلى إبراز القوة الناعمة للفن والثقافة في تعزيز القيم الإنسانية والروحية، ونشر ثقافة السلام في ظل ما يشهده العالم المعاصر من تحولات تكنولوجية ومجتمعية متسارعة.
وخلال افتتاح هذا الحدث، أوضح فوزي الصقلي، رئيس المهرجان، أن الغاية من هذه التظاهرة هي إحياء الروابط المتينة بين الحكمة والشعر والجمال، وتوظيف الإبداع الفني لخدمة الجانب الروحي للإنسان. وأشار الصقلي إلى أن التراجع الملحوظ للبعد الروحي في الثقافات الحالية، تزامناً مع التطور التكنولوجي العميق، يفرض ضرورة إعادة الاعتبار لمكانة الحكمة في الحياة اليومية.
وأكد رئيس المهرجان أن مدينة فاس تواصل الاضطلاع بدورها كملتقى روحي عالمي تتمازج فيه مختلف التقاليد والحساسيات الثقافية، مشدداً على أن الشعر الصوفي يمثل أداة فعالة للارتقاء بالفكر والروح، ووسيلة لترسيخ الكرامة الإنسانية والقدرة على الانفتاح على الآخرين. كما لفت إلى أن التنوع الثقافي والروحي يمثل ثروة حقيقية لتقريب الشعوب، مستشهداً برؤية الفيلسوف تيار دو شاردان حول تلاقي كل ما هو سامٍ.
وذكر الصقلي أن المهرجان يتجاوز كونه حدثاً فنياً ليصبح مختبراً للتأمل واستكشاف منابع الخيال التي تغذي الإبداع البشري، معتبراً أن الشعر لغة عالمية قادرة على تعزيز التفاهم والحوار بين الثقافات المختلفة. وفي سياق متصل، شهد اللقاء تكريم الشاعر والكاتب قيس بن يحيى، الذي اعتبر في كلمته أن الشعر هو فضاء رحب للبحث عن المعنى وتقاسم التجارب الإنسانية، فضلاً عن قدرته الفريدة على إحياء الأمل.
وعبر بن يحيى عن تقديره لهذا التكريم، موضحاً أن مسيرته الفنية والثقافية هي ثمرة تفاعلات وأصوات ومساندة من الآخرين الذين أثروا فكره وحسه الإنساني. وتحدث الشاعر عن تجربته الشخصية في الانتقال من عالم العلوم إلى فضاء الشعر، مشيراً إلى أن كلاهما يلتقي في البحث عن الفهم والتساؤل، رغم الغموض الذي يكتنف التجربة البشرية.
كما أضاف المكرم أن الشعر يمنح الإنسان القدرة على تجاوز المظاهر والبحث عن النور في مكامن الهشاشة، محولاً الحب إلى قوة للتصالح مع الذات والمجتمع. وأكد أنه بالرغم من أن الشعر قد لا يداوي كل الجراح، إلا أنه يمنح القلوب حرية الحب والقدرة على التمسك بالأمل والكرامة، ويتحول إلى نور مشترك يرسخ قيم الأخوة والمحبة حين يتجاوز التعبير الفردي.
وتكرس الدورة الثامنة عشرة للمهرجان، المستمرة من 17 إلى 24 أكتوبر الجاري، مكانة مدينة فاس كمنصة دولية للحوار بين الثقافات، حيث يمزج البرنامج بين العروض الموسيقية والندوات الفكرية. وتسعى هذه التظاهرة إلى جعل الموروث الروحي المغربي يتفاعل مع حكم العالم، لاستكشاف دور الجمال والشعر في مواجهة التحديات والمحن التي يمر بها العالم المعاصر.